في أقل من سبعين عاماً قفزت المنطقة من عدّ سفن اللؤلؤ ومواسم التمر إلى إدارة تريليونات الدولارات عبر صناديق سيادية، ومدن ذكية تنافس المراكز العالمية في الولايات المتحدة الأميركية، ودول شرق آسيا. ولكن حكاية هذا التحوّل الاقتصادي لا تزال مبعثرة في نشراتٍ فنية جافة، أو أرشيفاتٍ مغلقة، أو شهاداتٍ شفهية يتناقلها من يُجالس الروّاد الأوائل.

وعلى الضفة الأخرى حوَّلت الولايات المتحدة كل قطاعٍ اقتصادي ملحمةً مكتوبة يتغذَّى عليها المستثمر والطالب وصانع القرار بكل سلاسة، فهذا كتاب «The Big Short» يُفكّك لحظة انفجار فقاعة الأزمة المالية في عام 2008، وهذا كتاب «The Chip War» يروي حروب السيليكون من مختبر شوكلي وتمرّد نويس ومور إلى نمو مصانع أشباه الموصّلات التايوانية، وكتاب «The Power Law» يغوص في أدق تفاصيل نشأة رأس المال الجريء وتطوره منذ عام 1945، وكتاب «Material World» يلاحق رحلة العناصر من المناجم إلى قطاع التكنولوجيا المتقدمة. وهذه الكتب ليست سردياتٍ تاريخية فحسب، بل روايات بشرية كتبها متخصصون وصحفيون يبسّطون أعقد التفاصيل بلغة جذّابة، فيلتقطون غضب المخترع، وتردّد المستثمر، واللحظة التي رفع فيها إيلون ماسك، أو ستيف جوبز، أو آرثر روك، سماعة الهاتف بعد فشلٍ مرير، فيمنحون القارئ شخصياتٍ حقيقية معاصرة من لحمٍ ودم يمكن الاقتداء بها، لا أساطير بعيدة المنال.

هذا النوع من «التقنية السرديّة» نفتقده عربياً، وبالأخص خليجياً، برغم خامتنا التاريخية الخصبة، فلدينا صاحبا المعالي أحمد خليفة السويدي، ومحمد حبروش السويدي، اللّذان رسّخا مع جيلهما فلسفة الاستثمار السيادي عبر جهاز أبوظبي للاستثمار، ولدينا عائلة مبارك الحساوي -رحمه الله- التي دشّنت مصانع «SKM» في الشارقة عام 1974، فحوّلت حرارة الخليج سوقًا لصناعة التكييف، وعائلة كانو التي ربطت موانئ المنطقة قبل ولادة مصطلح «سلاسل الإمداد العالمية»، ومجموعة المسعود التي نصبت أول توربين غازي ومحطة تحلية في أبوظبي، ودوبال ثم «الإمارات العالمية للألمنيوم» التي حوّلت رمال الصحراء معدناً يغذي طائرات العالم، ومسيرة شركة «مصدر» التي بنت «مدينة بلا كربون» قبل أن تصبح الاستدامة عنواناً يومياً في الإعلام الرقمي، ومنصة «كريم» التي قفزت من شقة ضيقة إلى صفقة بثلاثة مليارات دولار، ورحلة الفضاء بين عصري الأمير سلطان بن سلمان، ومعالي الوزير سلطان النيادي، وصولاً إلى «مسبار الأمل» الذي دوَّن أول توقيع عربي وإسلامي على المريخ. كل قصة مما سبق تصلح لأن تكون كتاباً يضاهي «Inside Intel» أو «Barbarians at the Gate»، لكنها ما زالت موزَّعة بين أخبار مقتضبة، وتقارير متفرقة.

ولردم هذه الفجوة نحث، في هذا المقال، على إطلاق «مختبر السرد الخليجي التخصصي» ليكون برنامجاً وطنياً يفتح أرشيفات التشريعات والمؤسسات والشركات والصناديق، ويمنح زمالات لمفكرين وباحثين يتقنون منهجية والتر آيزاكسون في المزج بين الدراما الإنسانية، والتحليل التقني، والسياق التاريخي، والتوثيق التفصيلي لتطور الاقتصاديات والاجتماعيات في آن واحد. وسيُتيح هذا المختبر توثيقَين شفهياً ومكتوباً تشرف عليهما لجان أكاديمية، تُنتج سلاسل كتب ومجلدات تُصاغ بالعربية والإنجليزية، تُحوَّل لاحقاً وثائقيات وبودكاستات وواقعاً معزَّزاً، على أن يبقى الكتاب الورقي الأصلَ الذي لا يُمس، ويُكافأ الناشرون عبر مؤشر «الأكثر مبيعاً»، وجوائز سنوية تحفّز على صياغة هذه الملاحم.

والعائد مضاعفٌ، فصانع السياسة سيجد سابقة محلية بدلاً من استيراد وصفات وول ستريت، والمستثمر الشاب سيرى في «كريم» و«SKM» خريطة طريق قريبة، والطالب الجامعي الذي يدرس اليوم «The Chip War» سيتمكّن غداً من قراءة قصة «فضاء العرب: من الأمير سلطان إلى الدكتور سلطان» –وإذا شاء قصة إماراتية بالإنجليزية: «Punching Above The Weight: A Stargate Journey»- ما يفتح الباب أمام سوق نشرٍ خليجية بمئات الملايين تعزّز التنوع الاقتصادي غير النفطي، وتخلق وظائف إبداعية وتخصصية عالية الأجر، وترتقي بالكاتب والروائي والباحث الخليجي للمرحلة التالية في التوثيق والتحليل والسرد، وفي الوقت نفسه تتكوّن قدوات وطنية واقعية ومعاصرة في كل المجالات الاقتصادية، والقطاعات الحيوية، تُلهم الأجيال المقبلة لخوض التجارب، وتبنّي الابتكار المنتج، ومواجهة التحديات بكل جرأة وإصرار وثقة.ويمضي الجيل المؤسس، ومعه تمضي شهادات الميلاد الحقيقية لاقتصاد الخليج العربي إن لم ندوِّنها الآن.

والكتاب ليس ترفاً ثقافيّاً، بل صندوق سياديٌّ للذاكرة يدر عائداً مستداماً من المعرفة والثقة والإلهام.

وإذا دشّنا «مختبر السرد الخليجي التخصصي» اليوم أثبتنا للعالم أن من حوّل اللؤلؤ حوسبة سحابية، والملاحة الساحلية رحلات مريخية، قادرٌ أيضاً على قيادة الأمم في مرحلة اقتصاد ما بعد النفط، لأنه يملك سرديةً تعرف ماضيها، وتلهم حاضرها، وتفتح آفاق غدها.

*رائد أعمال إماراتي وعضو مبادرة «مفكرو الإمارات»